لماذا عجزنا عن صناعة القوة؟
في كل مرة تهتز فيها صورة الكيان الصهيوني أمام العالم، يعود سؤال قديم ليطرق الأبواب من جديد:
إذا كان هذا الكيان الذي صُوِّر لعقود على أنه قوة لا تُقهر، يمكن أن يتعرض للإنهاك والاستنزاف والردع... فلماذا عجزت أمتنا العربية، بكل ما تملكه من ثروات وإمكانات، عن بناء معادلة قوة حقيقية تفرض احترامها على أعدائها؟
ليس المقصود هنا تمجيد دولة أو تجربة بعينها، فلكل دولة أخطاؤها وجرائمها وحساباتها الخاصة، لكن المقصود هو النظر إلى الواقع كما هو، ثم محاولة فهم الدروس التي يقدمها لنا.
القوة ليست ما نشتريه
لقد اعتدنا لعقود طويلة أن نربط القوة بالمال.
فإذا امتلكت دولة النفط والغاز، قلنا إنها قوية.
وإذا ارتفعت موازناتها العسكرية، قلنا إنها قوية.
وإذا اشترت أحدث الطائرات والدبابات، قلنا إنها قوية.
لكن التاريخ يعلمنا أن القوة ليست ما تشتريه، بل ما تصنعه.
وليست ما تملكه في المخازن، بل ما تستطيع تشغيله ساعة الحاجة.
وليست ما يُعرض في الاستعراضات العسكرية، بل ما يغير موازين القوى على أرض الواقع.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا استطاع غيرنا أن يطور أدوات ردع أو مشاريع استراتيجية؟
بل: لماذا عجزنا نحن عن ذلك رغم ما نملك من موارد تفوق موارد كثير من الدول؟
أمة غنية... وقرار فقير
لقد أنفقت المنطقة العربية خلال العقود الماضية مئات المليارات من الدولارات على التسليح، حتى أصبحت بعض دولها من أكبر مستوردي السلاح في العالم. ومع ذلك، ما زالت معظم هذه المنظومات مرتبطة سياسيًا وتقنيًا بالدول المصنعة، وما زال قرار استخدامها أو تطويرها أو تحديثها خاضعًا لاعتبارات تتجاوز إرادة أصحابها.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة:
نملك المال... لكننا لا نملك الاستقلال.
نملك السلاح... لكننا لا نملك قراره.
نملك الموارد... لكننا لا نحسن تحويلها إلى قوة مستدامة.
إن الأمم لا تُقاس بما تستهلكه، بل بما تنتجه.
ولا تُقاس بما تشتريه، بل بما تبنيه.
ولهذا لم يكن سر نهضة الدول الكبرى في كثرة ما امتلكته من ثروات فقط، بل في قدرتها على تحويل المعرفة إلى صناعة، والصناعة إلى قوة، والقوة إلى استقلال.
حين كانت الرسالة أوضح من الموارد
ومن يتأمل تاريخ الأمة الإسلامية يدرك أن أعظم مراحل قوتها لم تكن مرتبطة بالثروة وحدها.
فالدولة الإسلامية الأولى لم تكن أغنى إمبراطوريات الأرض، لكنها امتلكت شيئًا أهم من المال: وضوح الرسالة، ووحدة الوجهة، والإرادة السياسية، والثقة بالنفس.
وحين اجتمعت هذه العناصر، تغير وجه التاريخ.
أما حين تفرقت البوصلة، وتنازع الناس على المصالح الضيقة، وتحولت الأمة إلى ساحات نفوذ ومناطق نفوذ، بدأت رحلة التراجع الطويلة.
الأعذار لا تبني أمة
ولعل أخطر ما أصاب عالمنا العربي خلال القرن الماضي أنه اعتاد تفسير الهزائم بالأعذار لا بالأسباب.
نُرجع الفشل إلى المؤامرات فقط.
ونُرجع التراجع إلى الظروف فقط.
ونُرجع الضعف إلى الآخرين فقط.
بينما يعلّمنا القرآن أن مراجعة النفس هي بداية الإصلاح:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
فليس السؤال: ماذا فعل بنا الآخرون؟
بل ماذا فعلنا نحن بأنفسنا حتى أصبح الآخرون قادرين على فعل ما فعلوه؟
الأزمة ليست أزمة موارد
لقد شهدت العقود الأخيرة حصارًا لكل مشروع استقلال حقيقي في كثير من مناطق العالم الإسلامي.
وحين تُحاصر الإرادة، وتُقتل روح المبادرة، وتُحارب الكفاءات، وتُقدَّم التبعية على أنها حكمة، يصبح من الطبيعي أن تتسع الفجوة بين الإمكانات والنتائج.
ولهذا فإن أزمة أمتنا ليست أزمة موارد.
وليست أزمة عقول.
وليست أزمة جغرافيا.
فنحن نعيش في واحدة من أهم مناطق العالم استراتيجية، ونملك ثروات هائلة، ويخرج من جامعاتنا وعقول أبنائنا آلاف الموهوبين كل عام.
لكن الأزمة الحقيقية هي أزمة مشروع.
أزمة رؤية.
أزمة إرادة تحول الإمكانات إلى إنجازات.
سنن القوة لا تحابي أحدًا
إن قراءة التاريخ تعلمنا أن الأمم لا تنهض بالأمنيات، ولا بالشعارات، ولا بالخطابات الحماسية.
بل تنهض بالعلم، والعمل، والتخطيط، وبناء الإنسان قبل بناء الحجر.
ولهذا فإن الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه من أحداث عصرنا ليس الإعجاب بهذا الطرف أو ذاك، بل فهم السنن التي تحكم حركة الأمم.
فمن زرع أسباب القوة حصد نتائجها.
ومن أهملها دفع الثمن ولو امتلك خزائن الأرض.
وقد أخبرنا الله تعالى بهذه السنة منذ قرون:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾
لاحظ أن الآية لم تقل: تمنوا القوة.
ولم تقل: تحدثوا عن القوة.
ولم تقل: اشتروا مظاهر القوة.
بل قالت: أعدوا.
أي ابنوا، وطوروا، وخططوا، وأحسنوا الأخذ بالأسباب.
القوة تُبنى
إن مستقبل الأمة لن يتغير بخطاب غاضب، ولا بمنشور حماسي، ولا بتبادل الاتهامات.
بل حين تستعيد الأمة ثقتها بنفسها، وتدرك أن طريق النهضة يبدأ من بناء الإنسان، وتحرير الإرادة، وإحياء روح المسؤولية.
عندها فقط تصبح الثروات قوة.
ويصبح الموقع الجغرافي ميزة.
وتصبح الموارد أدوات نهضة.
أما إذا بقيت الأسباب كما هي، فلن تتغير النتائج مهما تبدلت الأسماء والعناوين.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نحمله معنا اليوم ليس: لماذا تقدم الآخرون؟
بل: متى نبدأ نحن بالسير في الطريق الذي يصنع القوة؟
فالتاريخ لا يرحم الغافلين.
والأمم التي لا تتعلم من تجاربها، تضطر إلى إعادة دفع الثمن مرة بعد أخرى.
وما بين صفحات التاريخ ومشاهد الواقع رسالة واحدة تتكرر:
أن القوة لا تُمنح... بل تُبنى.
مراجع وشواهد
- القرآن الكريم، سورة الرعد، الآية 11: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
- القرآن الكريم، سورة الأنفال، الآية 60: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾.
- القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 140، في تداول الأيام بين الناس وسنن الابتلاء والتمحيص.
- القرآن الكريم، سورة الإسراء، الآية 16، في سنن فساد الأمم وأسباب الهلاك.
- تقارير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI حول الإنفاق العسكري العالمي وتجارة السلاح.
- ابن خلدون، المقدمة، أبواب العمران والدولة وأسباب القوة والضعف.
التصنيف: مقالات
الوسوم: دسر، الوعي، الأمة، القوة، الردع، التاريخ، السياسة، فلسطين، السنن، الاستقلال
