حين يتحول التوفيق إلى استحقاق
ليس من الصعب أن تجد إنسانًا متواضعًا وهو في بداية الطريق.
فالإنسان حين يكون مجهولًا، أو في مرحلة التعلم، أو ما زال يسعى لبناء نفسه، يدرك تلقائيًا حجم حاجته إلى الآخرين، وحجم حاجته إلى الفرص، وحجم حاجته إلى التوفيق.
لكن شيئًا ما يبدأ بالتغير عند بعض الناس عندما تتبدل الظروف.
حين ينجح مشروعه.
أو يشتهر اسمه.
أو يتوسع رزقه.
أو يلتف الناس حوله.
أو تصبح كلمته مسموعة بعد أن كانت عادية بين آلاف الكلمات.
في البداية يشكر الله.
ثم يفرح بالنعمة.
ثم يعتادها.
ثم يبدأ الخطر الحقيقي.
ذلك الخطر الذي لا يراه كثير من الناس إلا بعد فوات الأوان.
أن يتحول التوفيق تدريجيًا في نظر الإنسان... إلى استحقاق.
فيظن أن ما وصل إليه كان نتيجة قدراته وحدها.
وأن نجاحه دليل على تميزه الذاتي فقط.
وأن ما عنده لم يكن منحةً من الله بقدر ما كان ثمرة طبيعية لتفوقه.
وهنا تبدأ رحلة خفية من الغرور قد لا يشعر بها صاحبها أصلًا.
لماذا يتغير بعض الناس بعد النجاح؟
من الظواهر المتكررة في الحياة أن بعض الأشخاص يصبحون أكثر تواضعًا كلما ازدادوا نجاحًا، بينما يتحول آخرون إلى أشخاص مختلفين تمامًا بعد أول نجاح حقيقي يحققونه.
والسبب لا يعود إلى المال أو الشهرة أو المنصب بحد ذاته.
بل إلى الطريقة التي يفسر بها الإنسان ما يحدث له.
فالشخص الذي يرى نجاحه فضلًا من الله سيزداد شكرًا.
أما الذي يراه دليلًا على استحقاقه الشخصي فسيزداد تعلقًا بنفسه.
ولذلك فإن النجاح لا يكشف حجم الإنجاز فقط...
بل يكشف حقيقة القلب أيضًا.
فكم من إنسان كان متواضعًا لأنه لم يُختبر بعد.
وكم من إنسان ازداد تواضعًا لأنه أدرك أن النعمة أكبر من أن تُنسب إليه وحده.
العقل يحب أن يخدع صاحبه
يتحدث علماء النفس عن ظاهرة معروفة تُسمى:
Self-Serving Bias
أو ما يمكن ترجمته إلى:
الانحياز لخدمة الذات.
وهي ميل الإنسان إلى تفسير نجاحاته على أنها نتيجة ذكائه وجهده ومهاراته، بينما يفسر إخفاقاته على أنها نتيجة الظروف أو الحظ أو الآخرين.
فإذا نجح قال:
"أنا اجتهدت."
وإذا فشل قال:
"الظروف لم تساعدني."
وإذا ربح قال:
"كنت أملك رؤية صحيحة."
وإذا خسر قال:
"الظروف كانت استثنائية."
ومع تكرار هذا النمط، يبدأ الإنسان ببناء صورة ذهنية متضخمة عن نفسه دون أن يشعر.
فيصبح نجاحه دليلًا على عظمته.
وتصبح النعم التي بين يديه جزءًا من هويته.
ثم يبدأ بالنظر إلى الآخرين من الأعلى.
ليس لأنه شخص سيئ بالضرورة.
بل لأنه وقع في واحد من أقدم أفخاخ النفس البشرية.
قارون... حين تكلم الغرور
حين أراد القرآن أن يقدم نموذجًا خالدًا لهذه الفكرة، لم يختر ملكًا عظيمًا أو قائدًا جبارًا.
بل اختار رجلًا غنيًا.
رجلًا كانت مشكلته الأساسية في تفسير النعمة.
قال الله تعالى عن قارون:
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾
القصص: 78
هذه الجملة القصيرة تلخص جوهر المشكلة كلها.
لم ينكر قارون وجود المال.
ولم ينكر حجم النعمة.
لكنه أخطأ في نسبتها.
فبدل أن يرى فضل الله...
رأى نفسه.
وبدل أن يرى التوفيق...
رأى الاستحقاق.
وبدل أن يرى المنحة...
رأى الجدارة الشخصية فقط.
ولهذا لم تكن مشكلة قارون في الذهب والفضة.
بل في القلب الذي نسي من أين جاءت النعمة.
لماذا كان الصالحون يخافون من الشهرة؟
إذا تأملت في سير العلماء والصالحين، ستجد أمرًا يثير الانتباه.
فكثير منهم لم يكن يخاف الفقر كما يخاف الشهرة.
ولم يكن يخاف قلة الأتباع كما يخاف كثرتهم.
ليس لأن الشهرة شر مطلق.
ولا لأن التأثير في الناس أمر مذموم.
بل لأنهم كانوا يعرفون طبيعة النفس البشرية أكثر مما نعرفها نحن اليوم.
كانوا يعلمون أن النفس تحب المدح.
وتأنس بالثناء.
وتتغذى على الإعجاب.
وأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يمدحه الناس...
بل أن يصدق هو هذا المديح.
فكلما ارتفعت مكانة الإنسان بين الخلق، ازدادت حاجته إلى الانكسار بين يدي الخالق.
وكلما كثر من يصفق له، ازداد احتياجه إلى لحظات يخلو فيها بنفسه، ليتذكر حقيقته بعيدًا عن الأضواء.
ليس التواضع أن تنكر ما أعطاك الله...
بل أن تتذكر دائمًا مَن أعطاك.
كلما ازداد العلم... ازداد التواضع
ومن العجيب أن الإنسان كلما ازداد معرفة بنفسه وبربه، ازداد تواضعًا.
فالجاهل قد يظن أن نجاحه صناعة فردية كاملة.
أما العارف فيرى شبكة هائلة من النعم التي لا يملك السيطرة عليها.
يرى صحةً لم يصنعها.
وعقلًا لم يخلقه.
وفرصًا لم يرتبها بنفسه.
وأشخاصًا سخرهم الله في طريقه.
وأبوابًا فُتحت له في لحظات لم يكن يتوقعها.
فيكتشف أن ما يملكه اليوم ليس حصيلة جهده فقط.
بل حصيلة فضلٍ إلهيٍ متواصل.
ولهذا كان العلماء الحقيقيون أقل الناس إعجابًا بأنفسهم.
لأنهم كلما ازدادوا علمًا...
ازدادوا إدراكًا لحجم ما يجهلونه.
وكلما ازدادوا قربًا من الله...
ازدادوا إدراكًا لحجم فقرهم إليه.
حين يصبح النجاح فتنة
لسنا بحاجة إلى البحث بعيدًا.
فواقعنا المعاصر يقدم أمثلة يومية على ذلك.
كم من شخص بدأ متواضعًا، ثم غيرته الشهرة.
وكم من صاحب مشروع بدأ بسيطًا، ثم صار ينظر إلى الناس باستعلاء.
وكم من صانع محتوى كان قريبًا من الناس، ثم أصبح أسيرًا لصورته أمامهم.
المشكلة ليست في النجاح نفسه.
فالنجاح نعمة.
والتأثير نعمة.
والرزق نعمة.
لكن كل نعمة تحمل في داخلها اختبارًا.
والاختبار ليس: هل ستحصل عليها؟
بل:
هل ستبقى عبدًا لله بعد حصولك عليها؟
أم ستبدأ برؤية نفسك من خلالها؟
ولهذا كان بعض السلف يقولون إن الابتلاء بالنعمة قد يكون أصعب من الابتلاء بالمصيبة.
فالمصيبة تدفع الإنسان غالبًا إلى باب الله.
أما النعمة فقد تدفعه - إن لم ينتبه - إلى باب نفسه.
كيف نحمي قلوبنا من الغرور؟
لا أحد محصن من هذا الخطر.
ولهذا يحتاج الإنسان إلى مراجعة نفسه باستمرار.
أن يتذكر بداياته.
أن يتذكر لحظات ضعفه.
أن يتذكر الأبواب التي فُتحت له دون أن يملك مفاتيحها.
وأن يكثر من شكر الله على النعم بدل الانشغال بالحديث عنها.
كما يحتاج إلى صحبة صادقة تذكره بحقيقته.
فبعض الناس لا يفسدهم النجاح...
بل تفسدهم البيئة التي تحيط بهم بعد النجاح.
حين لا يسمعون إلا المديح.
ولا يرون إلا التصفيق.
ولا يجدون من يذكرهم بأنهم بشر يخطئون ويصيبون.
ولهذا كان أعظم ما يحفظ القلب:
دوام الافتقار إلى الله.
والإكثار من شكره.
واستحضار أن كل ما نحن فيه اليوم...
يمكن أن يزول في لحظة.
كما جاء في لحظة.
الخاتمة
ليس المطلوب أن تحتقر نفسك.
ولا أن تنكر نجاحك.
ولا أن تتظاهر بالتواضع أمام الناس.
المطلوب فقط أن ترى الأمور على حقيقتها.
أن تعرف قيمة السعي...
لكن ألا تنسى قيمة التوفيق.
وأن تفرح بالنعمة...
لكن ألا تنسبها لنفسك.
فكم من أبواب فُتحت لك...
لم تكن لتُفتح بقوتك وحدك.
وكم من خير وصل إليك...
لم يكن ثمرة ذكائك فقط.
وكم من مكانة نلتها...
لو تُركت لنفسك ما بلغتها.
ولهذا...
كلما ارتفعت...
تذكر أن الذي رفعك قادر على أن يرفع غيرك.
وأن الذي فتح لك الأبواب، فتحها لغيرك قبلك، وسيفتحها لغيرك بعدك.
وأن الذي أعطاك اليوم...
هو وحده صاحب الفضل كله.
فكلما ازداد الإنسان قدرًا...
ازداد انكسارًا بين يدي الله.
مراجع ومصادر للتوسع
- القرآن الكريم – سورة النحل (53)، سورة القصص (78).
- ابن القيم، مدارج السالكين.
- أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين – كتاب ذم الكبر والعجب.
- Daniel Kahneman, Thinking, Fast and Slow.
- Myers, D. G. Social Psychology – Self-Serving Bias.
- Jonathan Haidt, The Happiness Hypothesis.
