المونديال.. حين يبقى في حجمه الطبيعي
مع اقتراب كل بطولة كبرى، تعود الحماسة إلى الشوارع والمجالس ومواقع التواصل.
تُرفع الأعلام، وتشتد المنافسة، ويبدأ الحديث عن المنتخبات والنجوم والنتائج المتوقعة.
وهذا أمر مفهوم.
فالنفوس مجبولة على الترفيه، والرياضة جزء من حياة الناس، والإسلام لم يأتِ ليصادر المباحات أو يحوّل الحياة إلى مساحة جافة خالية من المتعة.
لكن المشكلة لا تبدأ عندما نستمتع...
بل عندما ننسى حجم الأشياء الحقيقي.
حين تتبدل الأولويات
في كل موسم رياضي تظهر مشاهد تستحق التأمل.
يسهر بعض الناس حتى ساعات متأخرة من الليل لمتابعة مباراة.
ويضبط المنبه كي لا تفوته صافرة البداية.
ويتابع الأخبار والتحليلات والتسريبات لحظة بلحظة.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا:
هل نحمل الحماسة نفسها حين ينادي المؤذن للصلاة؟
وهل نحافظ على الفرائض بالاهتمام ذاته الذي نحافظ به على مواعيد المباريات؟
ليس المقصود هنا المقارنة بين عبادة وتسليّة فحسب.
بل المقصود أن يعرف الإنسان مكان كل شيء في قلبه.
فالصلاة ليست بندًا إضافيًا في يوم المسلم.
إنها البوصلة التي تدور حولها بقية التفاصيل.
﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾
[النور: 37]
والآية لا تحرّم التجارة، بل تمدح من لم تشغله عن الله.
وكذلك سائر المباحات؛ المشكلة ليست في وجودها، بل في المكان الذي تحتله داخل القلب.
التسلية ليست مشكلة
من الأخطاء الشائعة أن يظن بعض الناس أن التدين يعني محاربة كل أشكال الترفيه.
لكن الإسلام لا يقدّم هذه الصورة.
فالنفوس تحتاج إلى الراحة.
والأجساد تحتاج إلى الترويح.
والإنسان لا يستطيع أن يعيش في حالة عمل متواصل أو جدية دائمة.
ولهذا عرف المسلمون عبر تاريخهم الرياضات والمسابقات والتدريبات البدنية وألوانًا متعددة من الترفيه المباح.
لكن الفرق الجوهري أن التسلية في الإسلام كانت دائمًا وسيلة...
ولم تتحول إلى غاية.
كانت استراحة على الطريق.
لا الطريق نفسه.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾
[الأنعام: 32]
فالإسلام لا يحرّم اللهو المباح، لكنه يذكّر الإنسان دائمًا ألا يجعل منه مركز حياته.
عندما تتحول المباراة إلى معركة
المشهد الأكثر غرابة ليس في الملعب.
بل خارجه.
كيف يمكن لمباراة لا يعرف اللاعبون فيها أسماء معظم المشجعين أن تتحول إلى سبب للخصومات والشتائم والكراهية؟
كيف يمكن لهدفٍ في مرمى أن يفسد علاقة صداقة أو يزرع البغضاء بين الإخوة؟
بل كيف يمكن لبعض الناس أن يغضبوا لفريق رياضي أكثر مما يغضبون لحرمات الله حين تُنتهك؟
هنا لا تعود المشكلة في الرياضة.
بل في تضخمها داخل القلب حتى تجاوزت حجمها الطبيعي.
فالتشجيع مباح.
والحماسة طبيعية.
لكن الشتائم والإهانات والتعصب الأعمى لا تتحول إلى فضائل لمجرد أنها خرجت من مدرجات الرياضة.
قال رسول الله ﷺ:
«سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»
متفق عليه.
وقال ﷺ:
«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»
متفق عليه.
ولهذا فإن الأخلاق لا تتوقف عند أبواب الملاعب.
بل تظهر حقيقتها عند لحظات التوتر والخسارة والاختلاف.
الانتماء الجميل والانتماء الأعلى
من الطبيعي أن يميل الإنسان إلى فريق أو منتخب أو بلد.
وهذا جزء من الطبيعة البشرية.
لكن المشكلة تبدأ عندما تختلط الانتماءات ببعضها.
فيصبح الولاء الرياضي أقوى من الولاء القيمي.
وتصبح راية الفريق أقرب إلى القلب من المبادئ التي يؤمن بها الإنسان.
بينما يذكّرنا الإسلام دائمًا أن جميع الانتماءات الأرضية تبقى في مرتبة أدنى من الانتماء إلى الحق والإيمان.
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾
[المائدة: 55]
فالفريق قد يتغير.
واللاعب قد يعتزل.
والبطولة قد تنتهي.
لكن القيم التي يعيش الإنسان لأجلها هي التي تبقى معه حين تنطفئ الأضواء ويغادر الجميع المدرجات.
كيف نظر المسلمون إلى الرياضة؟
لم يكن المسلمون عبر تاريخهم أمة تعادي الرياضة أو المنافسة.
بل كانت الفروسية والرماية والسباقات البدنية جزءًا من ثقافتهم.
ويُذكر أن صلاح الدين الأيوبي اهتم بإقامة التدريبات والمسابقات التي تعزز قوة الجنود واستعدادهم.
فالتنافس لم يكن غريبًا عن المسلمين.
لكنّه كان مرتبطًا دائمًا بهدف أعلى من مجرد التسلية.
وكانت القوة وسيلة لخدمة الرسالة، لا مجرد وسيلة للانشغال عن الرسالة.
ما بعد صافرة النهاية
بعد أسابيع أو أشهر، سينتهي المونديال.
سيرفع أحدهم الكأس.
وسينسى الناس عشرات المباريات التي كانت تبدو مصيرية في لحظتها.
لكن هناك أمورًا أخرى لن تنتهي.
الصلاة ستبقى.
والأعمال ستبقى.
والصحائف ستبقى.
والعلاقة مع الله ستبقى.
ولهذا فإن الحكمة ليست في ترك المباحات كلها.
ولا في الغرق فيها كلها.
بل في أن تبقى في حجمها الصحيح.
أن تستمتع دون أن تنشغل.
وأن تتابع دون أن تفرط.
وأن تفرح دون أن تنسى.
البوصلة لا يجب أن تضيع
ليس المطلوب أن يعيش المسلم بعيدًا عن الناس أو عن اهتماماتهم.
وليس المطلوب أن ينظر إلى كل أشكال الترفيه بعين الريبة.
لكن المطلوب أن يبقى متذكرًا دائمًا ما الذي يستحق أن يكون في المركز.
فالمباريات ستنتهي.
والبطولات ستُنسى.
وأسماء كثيرة ستغيب عن الذاكرة.
أما ما بينك وبين الله...
فهو الشيء الوحيد الذي لا تنتهي أهميته مع صافرة النهاية.
قال ابن القيم رحمه الله:
«ليس الشأن أن تقطع الطريق إلى الله، وإنما الشأن أن لا يقطعك شيء عنه».
لذلك استمتع بالمباح.
وشجّع فريقك إن شئت.
وافرح بالفوز.
لكن لا تسمح للتسلية أن تتحول إلى بوصلة.
فالبوصلة لا ينبغي أن تشير إلا إلى ما يقرّبك من الله.
المراجع
- القرآن الكريم: سورة النور، الآية 37.
- القرآن الكريم: سورة الأنعام، الآية 32.
- القرآن الكريم: سورة المائدة، الآية 55.
- صحيح البخاري وصحيح مسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر».
- صحيح البخاري وصحيح مسلم: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
- مدارج السالكين، ابن القيم الجوزية.
