السلطان الذي رفض بيع فلسطين

هل ما زلت تفكر بنفسك؟ مقال عن تأثير الخوارزميات والسوشيال ميديا على الوعي

السلطان الذي رفض بيع فلسطين

حين يُذكر اسم السلطان عبد الحميد الثاني، تنقسم الآراء سريعًا.

فبين من يراه آخر السلاطين العظام، ومن يصوره على أنه سبب سقوط الدولة العثمانية، تضيع أحيانًا الحقيقة بين المبالغة والتشويه.

لكن السؤال الأهم ليس:

هل كان السلطان عبد الحميد معصومًا من الأخطاء؟

فلا أحد من البشر كذلك.

بل السؤال هو:

لماذا بقي اسمه حاضرًا في الذاكرة الإسلامية حتى اليوم؟

ولماذا لا يزال يثير الجدل بعد أكثر من قرن على عزله ووفاته؟

إمبراطورية تتعرض للحصار

حين تولى السلطان عبد الحميد الثاني الحكم عام 1876م، لم يستلم دولة قوية مستقرة كما يتخيل البعض.

بل ورث دولة مثقلة بالديون، ومحاطة بالأطماع الأوروبية من كل اتجاه.

كانت روسيا تتربص شمالًا، وبريطانيا تتوسع في مناطق النفوذ، وفرنسا تراقب مصالحها، فيما بدأت الحركات القومية والانفصالية تضرب أجزاء متعددة من الدولة.

كان الرجل يقف أمام سفينة تتعرض للعواصف من كل جانب.

ومع ذلك، تمكن من إبقاء الدولة العثمانية متماسكة لعقود إضافية في وقت توقع كثيرون انهيارها المبكر.

مشروع الوحدة الإسلامية

أدرك السلطان أن الدولة لا يمكن أن تواجه الضغوط الأوروبية بالقوة العسكرية وحدها.

لذلك تبنى ما عُرف بسياسة "الجامعة الإسلامية".

فحاول تعزيز الروابط بين المسلمين في مختلف أنحاء العالم، وربطهم بالخلافة العثمانية باعتبارها رمزًا جامعًا للأمة.

وفي عهده ازداد الاهتمام بالمؤسسات التعليمية، وخطوط المواصلات، والمشاريع الكبرى التي تربط أطراف العالم الإسلامي ببعضها.

ومن أشهر هذه المشاريع سكة حديد الحجاز التي ربطت دمشق بالمدينة المنورة، وسهلت الحج والتنقل وخدمة المسلمين.

لم تكن مجرد سكة حديد.

بل رسالة سياسية وحضارية تقول إن الأمة ما زالت قادرة على العمل المشترك رغم كل الضغوط.

فلسطين والمشروع الصهيوني

من أكثر القضايا ارتباطًا باسم السلطان عبد الحميد الثاني موقفه من المشروع الصهيوني الناشئ في أواخر القرن التاسع عشر.

في تلك الفترة بدأت الحركة الصهيونية بقيادة تيودور هرتزل تسعى للحصول على موطئ قدم سياسي في فلسطين تمهيدًا لإقامة وطن قومي لليهود.

وكانت الدولة العثمانية تملك السيادة على فلسطين آنذاك.

حاول هرتزل ووسطاؤه الوصول إلى السلطان، وعُرضت على الدولة العثمانية إغراءات مالية كبيرة مقابل السماح بمشروع استيطاني واسع في فلسطين.

لكن السلطان رفض.

ولم يكن رفضه مجرد موقف اقتصادي أو إداري.

بل كان موقفًا سياديًا وحضاريًا.

وتُنقل عنه عبارة مشهورة مفادها أنه لا يستطيع بيع أرض ليست ملكه، لأنها ملك الأمة الإسلامية التي روتها بدمائها.

ورغم وجود نقاشات تاريخية حول الصياغات الدقيقة لبعض الروايات المنقولة، فإن الثابت تاريخيًا أن السلطان رفض منح الحركة الصهيونية ما كانت تسعى إليه من اعتراف سياسي وسيادة على فلسطين.

لماذا استُهدف بالتشويه؟

حين يقف شخص في وجه مشروع كبير، فمن الطبيعي أن تتوجه إليه الحملات.

وقد تعرض السلطان عبد الحميد خلال حياته وبعد عزله لكمية هائلة من الاتهامات.

فصُوِّر أحيانًا على أنه مستبد مطلق، وأحيانًا على أنه سبب كل أزمات الدولة العثمانية، وأحيانًا أخرى على أنه عائق أمام التقدم.

ولا شك أن عهده لم يكن خاليًا من الأخطاء والتحديات.

لكن كثيرًا من الدراسات الحديثة تشير إلى أن جزءًا من الصورة الشائعة عنه تشكل في ظل صراعات سياسية وأيديولوجية حادة شهدتها تلك المرحلة.

فالتاريخ لا يكتبه المنتصرون فقط.

بل يكتبه أحيانًا خصوم الأمس أيضًا.

ولهذا يحتاج الباحث المنصف إلى قراءة متعددة المصادر، بعيدًا عن التقديس المطلق أو الشيطنة المطلقة.

هل كان سبب سقوط الدولة؟

من أكثر الاتهامات انتشارًا أن السلطان عبد الحميد كان سبب انهيار الدولة العثمانية.

لكن هذه النظرة تتجاهل حقيقة مهمة.

فالدولة كانت تواجه أزمات متراكمة منذ عقود طويلة قبل وصوله إلى الحكم.

ديون ضخمة.

وتدخلات أجنبية.

وصراعات داخلية.

وحركات انفصالية.

وتراجعًا عسكريًا واقتصاديًا.

وكانت هذه التحديات أكبر من أن يتحملها شخص واحد وحده.

لذلك يرى عدد من المؤرخين أن السؤال الأدق ليس:

"لماذا سقطت الدولة بعده؟"

بل:

"كيف استطاعت أن تصمد كل هذه السنوات في عهده رغم حجم الضغوط؟"

الدروس التي لا تزال حية

ليست قيمة التاريخ في معرفة أسماء السلاطين وتواريخ المعارك فقط.

بل في فهم السنن التي تتحرك بها الأمم.

وقصة السلطان عبد الحميد تذكرنا بعدة حقائق مهمة:

أن المشاريع الكبرى تحتاج إلى صبر طويل.

وأن من يقف في وجه الأطماع سيدفع ثمنًا سياسيًا وإعلاميًا.

وأن تشويه الرموز ليس ظاهرة جديدة ولدت مع وسائل التواصل الاجتماعي.

بل عرفها التاريخ منذ قرون.

كما تذكرنا أن قراءة التاريخ من مصدر واحد قد تحرمنا من رؤية الصورة كاملة.

خاتمة

قد يختلف الناس في تقييم بعض سياسات السلطان عبد الحميد الثاني.

وقد يناقش المؤرخون قراراته وأخطاءه وإنجازاته.

لكن ما يصعب تجاهله هو أن الرجل عاش في واحدة من أخطر المراحل التي مرت بها الأمة الإسلامية.

وحاول، بما امتلك من أدوات وإمكانات، أن يؤخر الانهيار وأن يحافظ على ما تبقى.

ولعل أهم ما تعلمنا إياه قصته اليوم:

أن معارك الأمم لا تُخاض بالسلاح فقط.

بل تُخاض أيضًا في الذاكرة.

وفي الرواية.

وفي الصورة التي تبقى للأجيال بعد رحيل أصحابها.

ولهذا...

فإن فهم التاريخ ليس ترفًا.

بل جزء من فهم الحاضر نفسه.


مراجع مقترحة للتوسع:

  • مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني.
  • محمد حرب، السلطان عبد الحميد الثاني.
  • François Georgeon, Abdulhamid II: Le Sultan Calife.
  • Selim Deringil, The Well-Protected Domains.
التصنيفات:

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !