بين الوحي والخوارزمية: من يصنع وعينا اليوم؟

هل ما زلت تفكر بنفسك؟ مقال عن تأثير الخوارزميات والسوشيال ميديا على الوعي

بين الوحي والخوارزمية: من يصنع وعينا اليوم؟

لم يعد الصراع المعاصر مقتصرًا على الحدود الجغرافية أو التنافس السياسي بين الشرق والغرب.

فخلف الأخبار اليومية، والتطبيقات التي نحملها في جيوبنا، والمنصات التي نقضي عليها ساعات طويلة، تدور معركة أعمق من ذلك كله:

معركة على الوعي نفسه.

من يحدد ما نراه؟
ومن يقرر ما نفكر فيه؟
ومن يصوغ أولوياتنا ومشاعرنا ومواقفنا؟

في القرون الماضية، كان الإنسان يستمد رؤيته للعالم من مصادر واضحة: الأسرة، والعلماء، والمجتمع، والوحي.

أما اليوم، فقد ظهر فاعل جديد شديد التأثير: الخوارزمية.

خوارزمية لا تنام، ولا تتوقف عن التعلّم، وتعرف عن سلوكنا أكثر مما نظن.

وهنا يبرز سؤال جوهري:

هل ما زال الوحي هو الذي يقود وعينا؟
أم أصبحت الخوارزميات هي التي تقود جزءًا كبيرًا من إدراكنا للعالم؟

ما المقصود بالخوارزمية؟

الخوارزمية هي مجموعة من التعليمات الرياضية والمنطقية التي تستخدمها المنصات الرقمية لترتيب المحتوى وتحديد ما يظهر للمستخدم.

فعندما تفتح تطبيقًا مثل يوتيوب أو فيسبوك أو تيك توك، فإنك لا ترى الواقع كما هو، بل ترى نسخة منتقاة منه اختارتها الخوارزمية.

تشير الأبحاث إلى أن أنظمة التوصية الحديثة تعتمد على تحليل السلوك السابق للمستخدم من أجل زيادة مدة بقائه على المنصة وتحقيق أكبر قدر ممكن من التفاعل.

وبعبارة أخرى:

المنصة لا تسألك دائمًا: ما الذي تحتاج إلى معرفته؟
بل تسأل: ما الذي سيجعلك تبقى مدة أطول؟

كيف تُعيد الخوارزميات تشكيل الوعي؟

لا تعمل الخوارزميات غالبًا عبر الإقناع المباشر.

بل عبر التكرار.

فالإنسان بطبيعته يميل إلى الألفة مع ما يتكرر أمامه.

وقد وصف علماء النفس هذه الظاهرة بما يُعرف بـ تأثير التعرض المحض، حيث يؤدي تكرار رؤية فكرة أو صورة أو سلوك إلى زيادة تقبّله نفسيًا مع مرور الوقت.

ومن هنا تصبح المشكلة أعمق من مجرد مشاهدة محتوى غير مناسب.

إذ إن تكرار التعرض لقيم معينة، أو أنماط حياة معينة، أو تصورات معينة عن النجاح والجمال والعلاقات، قد يحولها تدريجيًا إلى معايير مألوفة داخل الوعي الفردي.

ليس لأنها صحيحة بالضرورة.

بل لأنها أصبحت مألوفة.

الوحي: مرجع يتجاوز الأهواء

في المقابل، يقدم الوحي الإسلامي نموذجًا مختلفًا جذريًا في بناء الوعي.

فالقرآن الكريم لا يجعل معيار الحق هو الأكثر انتشارًا، ولا الأكثر تفاعلًا، ولا الأكثر رواجًا.

بل يجعل المعيار هو الحق نفسه.

قال تعالى:

﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾
الأنعام: 116

ويقول سبحانه:

﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
القصص: 50

فالوعي الذي يصنعه الوحي لا يتشكل وفق مؤشرات الشعبية، بل وفق معايير الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال.

إنه وعي يطلب الحقيقة حتى لو كانت مخالفة للتيار السائد.

اقتصاد الانتباه: لماذا تتنافس المنصات على وقتك؟

يشير الباحث الأمريكي هربرت سايمون إلى أن وفرة المعلومات تؤدي إلى ندرة الانتباه.

ومن هنا ظهر ما يعرف اليوم بـ اقتصاد الانتباه.

في هذا الاقتصاد، يصبح انتباه الإنسان موردًا ثمينًا تتنافس عليه الشركات والمنصات.

وكل دقيقة إضافية يقضيها المستخدم على المنصة تعني بيانات أكثر، وإعلانات أكثر، وأرباحًا أكبر.

لهذا السبب تميل الخوارزميات غالبًا إلى تقديم المحتوى الأكثر إثارة للعاطفة، والأشد قدرة على جذب الانتباه، بغض النظر عن قيمته المعرفية أو الأخلاقية.

بين ما يجذبك وما يبنيك

تكمن المشكلة الحقيقية في أن ما يجذب الإنسان ليس دائمًا ما يبنيه.

فالمحتوى السريع والمثير قد يحقق تفاعلًا مرتفعًا، لكنه لا ينتج بالضرورة معرفة عميقة أو بصيرة نافذة.

أما الوحي، فيسلك طريقًا مختلفًا.

إنه لا يخاطب غرائز اللحظة فحسب، بل يبني الإنسان على المدى الطويل.

يبني عقله.

ويبني قلبه.

ويبني علاقته بالله وبالناس وبالعالم.

ولهذا كان القرآن يصف نفسه بأنه:

﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾
البقرة: 185

ولم يصف نفسه بأنه مجرد محتوى جاذب أو مادة ترفيهية.

خاتمة

ليست المشكلة في وجود الخوارزميات.

فهي أدوات نافعة في كثير من المجالات.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول من أداة بين أيدينا إلى مرجع يشكل وعينا دون أن نشعر.

وهنا تتجلى معركة عصرنا الحقيقية:

ليست بين الشرق والغرب فقط.

وليست بين دول وشعوب فحسب.

بل بين وعيٍ يصنعه الوحي...

ووعيٍ تصنعه الخوارزميات.

الأول يسأل:

ما الحق؟

أما الثاني فيسأل غالبًا:

ما الأكثر جذبًا؟

وبين السؤالين...
يتحدد مصير الإنسان.

المراجع

  1. Simon, H. A. (1971). Designing Organizations for an Information-Rich World.
  2. Zajonc, R. B. (1968). Attitudinal Effects of Mere Exposure. Journal of Personality and Social Psychology.
  3. Pariser, E. (2011). The Filter Bubble: What the Internet Is Hiding from You.
  4. Gillespie, T. (2014). The Relevance of Algorithms.
  5. Noble, S. U. (2018). Algorithms of Oppression.
  6. القرآن الكريم.
التصنيفات:

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !