الثورة العربية الكبرى: كيف تحوّل وعد التحرر إلى قرنٍ من التمزق؟

الثورة العربية الكبرى كيف تحول وعد التحرر إلى قرن من التمزق - مقال تاريخي من دسر

الثورة العربية الكبرى: كيف تحوّل وعد التحرر إلى قرنٍ من التمزق؟

في العاشر من يونيو عام 1916، انطلقت ما عُرف لاحقًا بـ الثورة العربية الكبرى، حين أعلن الشريف حسين بن علي التمرد على الدولة العثمانية بدعم بريطاني، بعد سلسلة من الوعود التي تحدثت عن استقلال العرب وإقامة دولة عربية موحدة تمتد من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام.

وقد قُدمت الثورة لعقود طويلة في كثير من المناهج والكتابات على أنها ثورة تحرر وطني ضد حكم متراجع، وبداية لعصر جديد من الاستقلال والنهضة. لكن بعد أكثر من قرن على تلك الأحداث، يفرض التاريخ سؤالًا صعبًا:

هل حققت الثورة ما وُعد به العرب فعلًا؟

دولة ضعفت... لكنها لم تكن بلا قيمة

ليس من الإنصاف تصوير الدولة العثمانية في سنواتها الأخيرة على أنها دولة مثالية. فقد عانت من أزمات سياسية واقتصادية وعسكرية متراكمة، وظهرت فيها مظاهر فساد وتراجع واضحة، كما خسرت أجزاء واسعة من أراضيها أمام القوى الأوروبية الصاعدة.

لكن في المقابل، كانت الدولة العثمانية تمثل آخر كيان سياسي كبير يجمع معظم المسلمين تحت سلطة واحدة. وبرغم ما أصابها من ضعف، بقيت تشكل حاجزًا سياسيًا وجغرافيًا في وجه التوسع الاستعماري الأوروبي في المنطقة.

وهنا تكمن المفارقة التاريخية المهمة:

لم تكن المشكلة في الاعتراف بأخطاء الدولة العثمانية، بل في الاعتقاد أن إسقاطها سيقود تلقائيًا إلى نهضة ووحدة واستقلال.

الوعود البريطانية

خلال الحرب العالمية الأولى، جرت مراسلات مشهورة بين الشريف حسين والمندوب البريطاني السير هنري مكماهون بين عامي 1915 و1916. وقد فهمت القيادة العربية من تلك المراسلات أن بريطانيا تدعم قيام دولة عربية مستقلة بعد انتهاء الحرب.

هذه الوعود كانت أحد أهم الدوافع التي شجعت على الانخراط في الثورة إلى جانب بريطانيا ضد الدولة العثمانية.

لكن بينما كانت تلك الوعود تُتداول في العلن، كانت أمور أخرى تجري في الخفاء.

ما الذي كان يحدث خلف الستار؟

في العام نفسه الذي انطلقت فيه الثورة العربية الكبرى، وقّعت بريطانيا وفرنسا اتفاقية سرية عُرفت باسم سايكس – بيكو.

لم تكن الاتفاقية تتحدث عن دولة عربية موحدة، بل عن تقاسم مناطق النفوذ في المشرق العربي بين القوتين الاستعماريتين بعد انتهاء الحرب.

ثم جاء وعد بلفور عام 1917، الذي تعهدت فيه بريطانيا بدعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

وهكذا وجد العرب أنفسهم أمام حقيقة مختلفة تمامًا عن الصورة التي رُسمت لهم.

ففي الوقت الذي كانوا يقاتلون على أمل الاستقلال، كانت القوى الكبرى تخطط لتقسيم المنطقة وإعادة رسم خريطتها السياسية.

ماذا كانت النتيجة؟

انتهت الحرب العالمية الأولى بسقوط الدولة العثمانية.

لكن الدولة العربية الكبرى التي وُعد بها العرب لم تقم.

بدلًا من ذلك، خضعت بلاد الشام والعراق وفلسطين لأنظمة الانتداب البريطاني والفرنسي، ورُسمت حدود جديدة قسمت المنطقة إلى كيانات متعددة.

وأصبحت فلسطين تحت الإدارة البريطانية، وهو ما مهّد لاحقًا لقيام المشروع الصهيوني على أرضها.

وبينما كان شعار الثورة يدور حول الوحدة والاستقلال، كانت النتيجة العملية مختلفة تمامًا:

  • سقوط الدولة العثمانية.
  • الاحتلال البريطاني والفرنسي لمعظم المشرق العربي.
  • تقسيم المنطقة إلى كيانات وحدود جديدة.
  • تمهيد الطريق للمشروع الصهيوني في فلسطين.
  • دخول المنطقة في قرن من التبعية والصراعات.

قراءة التاريخ بالنتائج لا بالشعارات

ليس الهدف من مراجعة هذه الأحداث تبرئة الدولة العثمانية من أخطائها، ولا إنكار ما أصابها من ضعف وتراجع في سنواتها الأخيرة.

لكن التاريخ لا يُقرأ بالنوايا وحدها، ولا بالشعارات التي رُفعت في لحظة معينة.

فما يهم في النهاية هو النتيجة.

وعندما ننظر إلى الحصيلة بعد أكثر من مئة عام، نجد أن الوحدة التي وُعد بها العرب لم تتحقق، وأن الاستقلال جاء منقوصًا وتحت الهيمنة الأجنبية في كثير من المناطق، وأن الحدود التي رُسمت آنذاك ما زالت مصدرًا لكثير من أزمات المنطقة حتى اليوم.

التاريخ لا يحكم على الشعارات بما قالت... بل بما خلّفت وراءها من آثار.

درس لا يزال حاضرًا

لعل أهم ما تعلمنا إياه الثورة العربية الكبرى هو أن هدم الكيانات السياسية أسهل بكثير من بنائها.

فليس كل ضعف يستدعي الهدم، وليس كل شعار جميل يقود إلى نتيجة جميلة.

وقد يكون أخطر ما يمكن أن تتعرض له أمة ما، أن تُقنع نفسها بأن إسقاط آخر ما يجمعها هو الطريق إلى النهضة.

أُقنع العرب أن الخلافة هي المشكلة...
فسقطت الخلافة.

وبقيت المشاكل.

ثم ضاعت الوحدة.
وجاء الاحتلال.
ورُسمت الحدود.

وبعد أكثر من قرن على تلك الأحداث، ما زال السؤال مفتوحًا:

هل كانت الثورة العربية الكبرى بداية للتحرر كما قيل يومها؟

أم كانت بداية لمرحلة طويلة من التمزق ما زلنا نعيش آثارها حتى اليوم؟


المراجع والشواهد

  1. مراسلات حسين – مكماهون (1915–1916)، وزارة الخارجية البريطانية.
  2. اتفاقية سايكس – بيكو السرية (1916)، الوثائق البريطانية والفرنسية المنشورة بعد الثورة البلشفية.
  3. وعد بلفور (1917)، الأرشيف الوطني البريطاني.
  4. George Antonius, The Arab Awakening, Hamish Hamilton, 1938.
  5. Eugene Rogan, The Fall of the Ottomans: The Great War in the Middle East, Basic Books, 2015.
  6. علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط.
  7. يلماز أوزتونا، تاريخ الدولة العثمانية.
  8. محمد حرب، العثمانيون في التاريخ والحضارة.
خلاصة المقال:

لم تكن الدولة العثمانية في أواخر عهدها دولة مثالية، لكنها كانت آخر كيان سياسي كبير يجمع معظم المسلمين تحت راية واحدة. أما الثورة العربية الكبرى، التي رُفعت تحت شعارات التحرر والوحدة، فقد انتهت عمليًا إلى سقوط الدولة العثمانية، وتقسيم المنطقة، ووقوع معظمها تحت النفوذ الاستعماري. وبين الشعارات والنتائج، يبقى التاريخ شاهدًا لا يجامل أحدًا.
التصنيفات:

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !