قد يبدو المشهد عاديًا جدًا...
رجل في مركز تجاري يسأل عن مكان يصلي فيه.
امرأة محجبة تدخل مؤسسة راقية.
موظف يحاول أن يرتب دقائق استراحته حول موعد الصلاة.
وأسرة تبحث لأطفالها عن طعام حلال في سفر بعيد.
أشياء صغيرة، يفعلها المسلم غالبًا دون أن يخطر بباله أنه يخوض معركة فكرية، أو يعلن موقفًا سياسيًا، أو يتحدى نظامًا اجتماعيًا.
هو فقط...
لكن ربما تكمن هنا المشكلة كلها.
فالإسلام، حين يسكن الإنسان حقًا، لا يبقى فكرة معلقة في ذهنه، ولا طقسًا يؤديه في زاوية معزولة ثم يعود إلى حياته وكأن شيئًا لم يكن.
إنه يتسرّب إلى تفاصيل يومه.
إلى ثيابه.
وطعامه.
وماله.
وأسرته.
وأخلاقه.
ووقته.
وحتى إلى الدقائق القليلة التي يقتطعها من ازدحام يومه... ليقف بين يدي الله.
•••ليست المسألة سجادة صلاة
حين يبحث مسلم عن زاوية يصلي فيها داخل مطعم أو مطار أو مركز تجاري، فالمشهد في ظاهره لا يحمل أكثر من إنسان يريد أداء عبادة.
لكنه يكشف في العمق عن حقيقة أكبر:
فالصلاة ليست نشاطًا أسبوعيًا يمكن حصره في مبنى ديني، بل عبادة تتكرر خلال اليوم، وتفرض حضورها على الزمن نفسه.
يذهب المسلم إلى عمله... فتأتي الصلاة.
يسافر... فتأتي الصلاة.
يتسوّق... فتأتي الصلاة.
يجلس في مطعم... فتأتي الصلاة.
وكأنها، في كل مرة، تعيد ترتيب اليوم حول معنى أعلى من العمل والاستهلاك والترفيه.
ولهذا لم يجعل القرآن الصلاة حركة منفصلة عن أثرها الاجتماعي والأخلاقي؛ بل ربط إقامتها بالنهي عن الفحشاء والمنكر.
أي أنها، حتى وهي عبادة فردية...
الإسلام لا يعرف الإنسان المجزّأ
تقوم بعض التصورات الحديثة للدين على إمكانية الفصل بين «المتدين» و«المواطن»، وبين «الإيمان الشخصي» و«المجال العام».
يمكنك أن تؤمن... لكن داخل حدود معينة.
أن تتعبد... لكن بحيث لا يعيد إيمانك تشكيل المجال من حولك.
غير أن الإسلام يصعب اختزاله بهذه الصورة.
فالمسلم لا يتلقى من دينه تعليمات للصلاة والصيام وحدهما، ثم يترك بقية حياته بلا مرجعية.
بل يجد فيه أحكامًا ومعاني تتصل بالأسرة، والمال، والأخلاق، واللباس، والطعام، والجوار، والبيع، والشراء، والعلاقات الاجتماعية، والعدل، والحقوق والواجبات.
ولهذا فمحاولة حصر الإسلام في «الشأن الخاص» لا تواجه بالضرورة حزبًا سياسيًا أو مفكرًا أو حركة منظمة.
قد تواجه...
امرأة تريد أن ترتدي حجابها.
أو موظفًا يريد أن يصلي.
أو أبًا لا يريد لأبنائه نوعًا معينًا من التربية.
أو شابًا يسأل قبل أن يشتري:
وهؤلاء ربما لم يقرأوا كتابًا واحدًا عن العلمانية.
ولم يخوضوا نقاشًا فكريًا حولها.
لكن الدين الذي يعيش في داخلهم يجعل حياتهم نفسها عصية على الفصل الكامل بين الإيمان والواقع.
وهل العلمانية حياد كامل فعلًا؟
هنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا.
فالعلمانية ليست نموذجًا واحدًا متطابقًا في كل البلدان، كما أن علاقة الدولة بالدين تختلف بشدة بين تجربة وأخرى.
لكن دراسات حديثة في العلمانية تلفت إلى مشكلة مهمة في تصورها بوصفها مجرد «غياب للدين» أو حياد بسيط تجاهه.
فالدولة الحديثة، حين تحدد ما الذي يُعد دينيًا، وأين يجوز للدين أن يظهر، وما حدود ممارسته في المجال العام، فإنها لا تقف خارج السؤال الديني تمامًا؛ بل تشارك في رسم حدوده.
ولهذا لم تختفِ إشكالات الدين من المجتمعات العلمانية.
بل تغير السؤال من:
إلى:
أين يُسمح له أن يوجد؟ وبأي صورة؟
وهذا الفارق شديد الأهمية.
فقد يُتسامح مع الإيمان بوصفه شأنًا داخليًا...
ثم يبدأ التوتر حين يصبح لهذا الإيمان جسدٌ مرئي:
حجاب.
صلاة.
طعام.
تربية.
رمز.
مسجد.
أو مطالبة بمساحة تمكّن المؤمن من ممارسة عبادته.
وهنا نكتشف أن النزاع لم يكن دائمًا حول وجود الإيمان في القلب...
حين خرج الحجاب من الهامش
لوقت طويل، أمكن لبعض البيئات أن تنظر إلى مظاهر التدين باعتبارها مرتبطة بالطبقات الشعبية أو البيئات التقليدية.
لكن الصورة تغيرت.
دخل الحجاب الجامعات.
والشركات.
والطبقات الثرية.
والفضاءات السياسية.
ووصلت نساء محجبات إلى مواقع اجتماعية وسياسية لم يكن ظهور الحجاب فيها مألوفًا.
وصار المسلم المتدين طبيبًا ومهندسًا وأستاذًا ورجل أعمال ومسؤولًا، يحمل معه إلى المساحات الحديثة ذاتها أسئلته الدينية واختياراته الأخلاقية.
وهنا لم يعد ممكنًا تقديم التدين ببساطة على أنه بقايا عالم قديم سينتهي بمجرد التعليم أو الصعود الاجتماعي.
بل ظهر سؤال أكثر إزعاجًا:
ماذا لو امتلك المال والتعليم والمكانة...
ثم بقي يصلي؟
وبقيت زوجته محجبة؟
وبقي يسأل عن الحلال والحرام؟
وبقي يريد مسجدًا قريبًا من مكتبه، ومكانًا للصلاة في مطاره وجامعته؟
عندها لا يعود الدين مجرد أثر من الماضي.
بل يصبح حاضرًا...
المسلم في الغرب... حين تتحول التفاصيل إلى أسئلة كبرى
يدرك كثير من المسلمين المهاجرين هذه المسألة بصورة عملية أكثر منها فكرية.
قد يذهب الشاب إلى بلد غربي بحثًا عن علم أو عمل أو حياة أفضل، دون أن يحمل في حقيبته كتبًا عن «الصراع الحضاري».
ثم تبدأ الأسئلة الصغيرة.
أين أصلي؟
ماذا آكل؟
هل تستطيع زوجتي العمل بحجابها؟
كيف أربي أولادي؟
كيف أتعامل مع بعض الأنشطة المدرسية التي تخالف قيمي؟
هل يسمح لي عملي بتنظيم وقتي بما يكفي لأداء الصلاة؟
وفجأة...
يكتشف أن أشياء كان يمارسها في بلده بصورة تلقائية أصبحت تحتاج إلى تفاوض وطلب وتكيّف، وأحيانًا إلى نزاع قانوني.
وهنا تظهر استجابات شتى.
من يتمسك.
ومن يساوم.
ومن يجد صيغة للتعايش.
ومن يذوب شيئًا فشيئًا.
ومن يزداد التصاقًا بدينه بعدما أدرك للمرة الأولى أن ما كان يظنه عادات شخصية...
أخطر ما في المسجد... ليس خطبة سياسية
وهنا نصل إلى معنى أعمق.
قد تتصور سلطة ما أنها نجحت في تحييد مسجد لأنها منعت الحديث في السياسة.
وقد يتصور آخرون أن الداعية الذي لا يتحدث في شؤون الحكم لا علاقة له بأي مقاومة ثقافية أو اجتماعية.
لكن الأمر ليس بهذه البساطة.
فماذا يفعل المسجد أصلًا؟
يأتي الناس إليه خمس مرات في اليوم.
يقفون في صف واحد.
يتلون القرآن.
يسمعون أن الرزق من الله.
وأن المال أمانة.
وأن الظلم حرام.
وأن الزنا حرام.
وأن الربا حرام.
وأن للوالدين حقًا.
وأن للمسلم أخًا.
وأن الدنيا ليست نهاية الطريق.
وأن فوق كل سلطان...
هذه المعاني لا تحتاج إلى منشور سياسي لكي تصنع أثرًا.
يكفي أن تستقر طويلًا في النفوس.
فالإنسان الذي يتعلم أن لله أمرًا ونهيًا، وأن هناك حلالًا وحرامًا، وأن قيمته لا يحددها السوق ولا السلطة ولا نظرة المجتمع...
ليس الصفحة البيضاء نفسها التي يمكن لأي منظومة أن تكتب عليها ما تشاء.
ومعلّم القرآن في القرية البعيدة؟
لنتخيل رجلًا بسيطًا...
يجلس بعد العصر في مسجد صغير، في قرية لا يعرف اسمها أحد.
أمامه عشرة أطفال.
لا يملك مؤسسة.
ولا قناة.
ولا حسابًا يتابعه الملايين.
ولا يتحدث في السياسة أصلًا.
إنه فقط يعلمهم الفاتحة.
ثم سورة العصر.
ثم سورة التكاثر.
ثم يحدثهم عن الصدق والأمانة والصلاة.
قد يبدو هذا كله بعيدًا جدًا عن المعارك الكبرى.
لكن ماذا يفعل في الحقيقة؟
إنه يضع في ذاكرة طفل كلمات قد تبقى معه خمسين عامًا.
ربما يكبر الطفل وينسى اسم معلّمه.
لكن الآية تبقى.
تخرج إليه في موقف.
وتردعه في آخر.
وتوقظه بعد غفلة.
وتجعله يسأل، في لحظة لم يحسب لها أحد حسابًا:
ومن هنا نفهم شيئًا بالغ الأهمية:
ليست مقاومة الذوبان دائمًا حدثًا صاخبًا.
لهذا لا تكون الدعوة «شأنًا فرديًا» تمامًا
حين يدعو داعية الناس إلى الصلاة...
فهو لا يزيد عدد المصلين فحسب.
إنه يعيد إدخال موعد ثابت مع الله في يوم الإنسان.
وحين يدعو امرأة إلى الحجاب...
فهو لا يتحدث عن قطعة قماش منفصلة عن بقية الحياة، بل عن تصور للجسد والستر والهوية والمرجعية.
وحين يعلّم الناس الزكاة...
فهو يغرس تصورًا عن المال وحق الفقير.
وحين يتحدث عن بر الوالدين...
فهو يؤثر في شكل الأسرة.
وحين يربي الناس على الحلال والحرام...
فهو يضع حدودًا أمام السوق والرغبة والموضة والضغط الاجتماعي.
أي أن الدعوة، حتى حين تبدأ من الفرد...
لأن الإنسان الذي تغيرت مرجعيته سيحمل أثرها إلى أسرته، وعمله، واستهلاكه، وعلاقاته، وتربيته لأبنائه.
ومن مجموع هؤلاء...
يتشكل المجتمع.
المعركة التي لا يراها أصحابها
ربما أجمل ما في هذه الصورة كلها أن معظم المسلمين لا يفكرون بهذه الطريقة أصلًا.
الرجل الذي فرش سترته في زاوية مطار ليصلي...
لا يقول في نفسه:
والمرأة التي تمسكت بحجابها في مؤسسة مرموقة لا يلزم أنها تخوض معركة أيديولوجية واعية.
والأب الذي يسأل عن طعام أبنائه لا يكتب بيانًا حضاريًا.
هؤلاء يريدون شيئًا أبسط بكثير:
لكن هذا «الشيء البسيط» هو تحديدًا ما يجعل الإسلام شديد الحضور.
لأن الدين الذي يحتاج إلى مظاهرة لكي يظهر يمكن منع مظاهرته.
والدين الذي يحتاج إلى حزب يمكن حل حزبه.
والدين الذي يحتاج إلى صحيفة يمكن إغلاق صحيفته.
أما الدين الذي يظهر كل يوم...
في طعام الناس.
وثيابهم.
وصلواتهم.
وبيوتهم.
وأسمائهم.
وتربية أبنائهم.
ومساجد أحيائهم.
والآيات التي يحفظونها...
فالمسألة معه مختلفة تمامًا.
الإسلام الذي يعود كل يوم
لهذا ربما لا ينبغي أن ننظر إلى الصلاة في مركز تجاري باعتبارها مجرد مسألة: هل وفر المكان مصلى أم لم يوفر؟
وراء المشهد معنى أكبر.
هناك حضارة حديثة شديدة القدرة على تشكيل المكان والوقت والعادات...
وفي وسطها يقف إنسان.
ينظر إلى ساعته.
ثم يترك متجرًا أو مكتبًا أو مطعمًا للحظات...
ويتجه إلى القبلة.
كلمتان فقط.
لكن معناهما أن شيئًا في هذا العالم...
ما زال أكبر من السوق.
وأكبر من الوظيفة.
وأكبر من الموضة.
وأكبر من نظرة الناس.
وأكبر من كل نظام يريد أن يكون هو المرجع الأخير للإنسان.
ربما لهذا كان بقاء الإسلام في حياة الناس أعمق من بقاء شعاراته.
وربما لهذا أيضًا لا تبدأ نهضة الأمة دائمًا من القصور والبرلمانات والمنابر الكبرى.
قد تبدأ من مسجد صغير.
من أم تعلم طفلها الفاتحة.
من شاب أغلق متجره دقائق للصلاة.
من فتاة ثبتت على حجابها.
من معلّم قرآن مجهول.
ومن ملايين الأعمال التي تبدو صغيرة...
لكنها تحفظ داخل المجتمع معنى واحدًا بالغ الخطورة:
مراجع وشواهد
- القرآن الكريم: سورة العنكبوت، الآية 45، وسورة العصر.
-
Hussein Ali Agrama,
Secularism, Sovereignty, Indeterminacy: Is Egypt a Secular or a Religious State?,
Comparative Studies in Society and History,
Cambridge University Press.
الاطلاع على الدراسة - Birol Baskan, The State in the Pulpit: State Incorporation of Religious Institutions in the Middle East, Politics and Religion, Cambridge University Press.
- Housamedden Darwish, The (In)Compatibility of Islam with Modernity: (Mis)Understanding of Secularity/Secularism in the Arab and Islamicate Worlds, Cambridge University Press.
-
The Colonial Origins of Secularization:
Historical Pathways of Economic Elites and Religiosity in the Middle East and North Africa
,
Politics and Religion,
Cambridge University Press.
الاطلاع على الدراسة -
European Union Agency for Fundamental Rights,
مواد ودراسات متعلقة بحرية الدين والمعتقد وممارسته في بيئات العمل الأوروبية.
وكالة الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي
