في الجاهلية كان الناس يتعلقون بالأصنام ويظنون أنها تضر وتنفع وتشفع لهم عند الله، فجاء الإسلام ليحرر الإنسان من عبادة كل ما سوى الله. لكن التاريخ يعيد نفسه بأشكال مختلفة، فبعض الناس اليوم لا يقدّسون حجراً ولا صنماً، بل يقدّسون أشخاصاً وأنظمةً وملوكاً وحكاماً، حتى أصبحت أخطاؤهم تُبرَّر، وفسادهم يُغطَّى، وخياناتهم تُؤوَّل مهما كانت واضحة.
يتحول الولاء عند بعضهم من الانتماء الطبيعي للوطن إلى حالة من التقديس الأعمى، فلا يعود الحق معياراً للحكم على الأشخاص، بل يصبح الشخص نفسه معياراً للحق والباطل. فإذا أحسن مجّدوه، وإن أساء بحثوا له عن الأعذار، وإن ظلم صفقوا له، وإن خان برروا فعله باسم المصلحة أو الوطنية.
هذا النمط من التفكير ليس جديداً في التاريخ، بل هو من أخطر الفتن التي تُعطّل العقول وتمنع الناس من رؤية الحقائق كما هي. فالإنسان الحر لا يعبد حاكماً ولا حزباً ولا نظاماً، وإنما يزن الجميع بميزان العدل والحق، ويقف مع الصواب مهما كان قائله، ويرفض الخطأ مهما كان فاعله.
فالأمم لا تنهض بالتقديس الأعمى للأشخاص، بل بالنقد الواعي والصدق مع النفس، وبأن يبقى الحق فوق الجميع، لا أن يصبح الجميع فوق الحق.
الوطنية حين تتحول إلى عبادة
الأربعاء 26 يونيو 2024
1 / 5





